هل تنجح احتجاجات القضاة في فرض قضاء جديد ، عادل ، خال من الفساد ؟
د. عبد الرزاق مسعد التاريخ: الثلاثاء 12 يونيو 2012 الساعة 23:41
هل تنجح احتجاجات القضاة في فرض قضاء جديد ، عادل ، خال من الفساد ؟
د. عبدالرزاق مسعد سلام
1. فساد ما قبل الثورات اليمنية وما بعدها
الحقيقة المطلقة هي أن هناك في اليمن توجد في الواقع التطبيقي والعلمي فلسفة وثقافة للفساد المسيطرة تماما حتى يأذن الله سبحانه وتعالى باقتلاعه ومعه حكماء الأمة اللذين لم نراهم ولم نلمسهم بعد .!
وهذه الفلسفة موغلة في القدم وأعمق مما يتصور الباحثون والشرفاء من أبناء الشعب ، الذين لا يستمع إليهم ، ولا يسمح لهم للقيام بدورهم لإرضاء الله والناس في هذا الأمر الزلل والكارثي الذي يسوق المجتمع السياسي والاجتماعي إلى كوارث متتالية ومستمرة منذ زمن سحيق ولا حياة لمن تنادي . بالرغم من قيام الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب ولأن نظام الجمهورية العربية اليمنية السابق للوحدة هو المفروض بالقوة والقتل والقمع ، ونعتقد بشكل قاطع بأن الفساد الشامل الذي لم تستطع الثورات اليمنية قديمها وحديثها وآنها أن تمسه كونه الوسيلة الوحيدة التي ضمنت وتضمن بقاء واستمرار الحكم لأي كان فردا أو نخبا سياسية أو جاها قبليا .. الخ .
نعتقد بأنه كان السبب الأساسي للحرب الظالمة على الجنوب وشعبه عام 1994م والتي مثلت قمة الفساد والإفساد المتنوع والمدمر والقاتل للجنوبيين وإقصائهم الدموي ونهب حقهم وكل ما يملكونه من تراكم مادي وروحي في الحياة منذ أن خلق الله وأسس لهم معاشهم وأرضهم منذ الأزل المدون وغير المدون . ! ويسود اليوم الفساد الشمال والجنوب في جميع فروع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية والتربوية .. بالرغم من المقاومة لأجل عظماء الشعب اليمني من سياسيين وباحثين وكتاب ومحاميين وقضاة وأئمة وخطباء مساجد ووجاهات قبلية نادرة ومن عموم الشعب وفئاته الاجتماعية كبيرها والأكبر والأصغر عبر مراحل التطور التأريخية السابقة والحاضرة.
هذه الثقافة السائدة للفساد الشاملة لحياة اليمنيين اليوم اضطرارا وقسرا أو طوعا .. هي ثقافة موروثة وموغلة في القدم في النظم التقليدية والعائلات الحاكمة والقبائل التي سيطرت على اليمن أو التي حكمته ولها نفوذها بقوة العادة والتقاليد الموروثة ، من زمن الخلافة الإسلامية غير الراشدة في جسم أكبر الإمبراطوريات الإسلامية كالخلافة الإسلامية الأموية والعباسية مرورا بحكم الإمبراطورية العثمانية التركية وحكم المماليك والإمامة الزيدية .. الخ بالرغم من قيام أعظم ثورتين في التاريخ اليمني هما ثورتي 26 سبتمبر و 14 أكتوبر المجدتين وضحى من أجلهما الشعب اليمني بالآلاف والعشرات من الشهداء والتي يحتفل اليمنيون بذكراهما الخمسين والتاسع والأربعين عامنا هذا . وبالرغم من قيام ثورة الحراك السلمي الجنوبي وأعظم ثورة سلمية للتغيير شهدها العام 2011م ومستمرة آثارها وفعلها حتى اليوم بالرغم من الإجماع الظاهري للنخب السياسية والاجتماعية والمنظمات المدنية والصحفية عموما .. إلا إن التاريخ بالرغم من محاولات جزء هام من المجتمع ومن الطبقة الوسطى والصغيرة للعمل على الحد من منظومة الفساد العنكبوتية الشاملة .. إلا أن التاريخ حتى الآن لم يساعد على ظهور عظيم من عظماء الأمة ليضع حدا نهائيا للفساد بتفرعاته الأخطبوطية .. وإن ظهر مثلما حصل في الجنوب إلا إن الصراع الداخلي وحسابات الخارج الدولية والإقليمية كانت لقادته العظام بالمرصاد .. وهكذا حصل للرئيس الحمدي في الشمال وبحرب 1994م وبنتائجها ازداد الفساد الشامل والمركب والمتداخل في حياة الدولة والمجتمع واستمر القضاء بأدواته الأبوية العبودية في الإيغال في الفساد الإقصائي الداخلي العنصري وبتأثيراته الخارجية على صعيد الحكم والمجتمع أوغل في الظلم وتعامل مع الرشوة وكأنها شيء مقدس لا يجب المساس بها . وأحل هؤلاء بفتاوى دينية نهب المال العام ولم تصدر أي فتوى إيجابية تلغي فتاوى النهب والقتل .. الخ ، واستبيح الضعفاء والصغار والأصغر منهم بحقوقهم وبأحكامهم غير العادلة وتارة أخرى بعدم تنفيذ أحكام القضاء العادلة النادرة من قبل أجنحة القمع والشرطة وصولا إلى استخدام الجيش إلى جانب أصحاب الجاه والمشايخ الفاسدين والأمثلة كثيرة ! .
بالرغم من كل الثورات وبالرغم من بروز الصحافة كقوة تلعب ولعبت دورا إيجابيا في خلق وعي جديد على طريق إنهاء الفساد وفضح أصحابه .. إلا إن مقاومة أهل الفساد بدءا بقمة السلطة مرورا بحاشيتها وعناصر بلاطها وجماعاتها المنتشرة في جسم وبناء الدولة والحكومة والمقررة في الحياة المالية والقضائية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية الظاهرة والسرية لازالت لها اليد الطولى في التأثير المباشر وغير المباشر ولازال الفساد عنوان الحياة اليمنية في البناء الفوقي والتحتي والذي ازداد انتشاره واتجاهه نحو الجنوب الذي كان إلى زمن قريب خال من الفساد بكل أنواعه المادية والثقافية .. وإن كان هناك من فساد في الجنوب قبل الوحدة اليمنية فقد كان في سياسة الإقصاء لبعضهم بعضا بمختلف الوسائل وأهم تلك الوسائل دورات الاقتتال الدورية التي شهدها الجنوب منذ ما قبل وبعد الاستقلال وهو ما كان لعامل الصراع بين الشمال والجنوب والعامل الأجنبي دورا حاسما فيه حتى أصبح الجنوبيون شعبا ونخبا اليوم يلهثون وراء ما أضاعوا من أرض ودولة وحق شامل كامل (ولو إلى حين) .
وهذا كله لا يعني بأنه لا توجد محاولات للقضاء على الفساد الشامل فهناك القوانين والتشريعات الايجابية المكتوبة ولكنها لازالت على الورق فحسب وهناك قضاة استثنائيين كانوا في مستوى الأمانة الإلهية والمحمدية والدنيوية والقضاء الإسلامي العادل على الباحثين بذل جهود كبيرة لإظهارهم وأفكارهم النبيلة التي وضعت لبنات أساسية لقضاء عادل خال من الفساد .. الخ على طريق الإصلاح الشامل للدولة والحكومة ومؤسساتها وبناء اليمن الجديد بشماله وجنوبه وتحقيق مصير شعبيهما بأنفسهما .
2. فعل يمني ودولي في مواجهة الفساد
شهد اليمن في أواخر أغسطس 2005م تطورات هامة ما قبل قيام ثورة الحراك الجنوبي السلمية وقبل قيام ثورة التغير السلمية في أوائل يناير – فبراير 2011م والتي توجت بانتصار هام ألا وهو إسقاط رأس النظام ولازالت الثورة مستمرة نحو تحقيق انتصارها التالي على النظام السياسي القديم المتسلح بثقافة الفساد والإفساد وسط مقاومة شرسة لأساطين النظام الفاسد ومؤيديهم الذين لازال جزء كبير منهم يسيطرون على أهم الحلقات والإدارات العامة في القضاء والأوقاف وفي أجهزة الأمن والقوات المسلحة وفي أغلب الدوائر الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والمالية الحكومية الرسمية وغير الرسمية وفي أوساط المنظمات المدنية والثقافية والأحزاب السياسية .. الخ .
لقد أخذت الصحافة بطريقة أكثر جدية وأكثر مثابرة بالحديث عن الفساد وخطورته كونه أصبح متوغلا في كل جسد الدولة والحكومة والمجتمع والاقتصاد والصناعة والتجارة الداخلية والخارجية وفي القضاء والأوقاف تلا ذلك صدور قانون رئاسي لأول مرة في تاريخ اليمن برقم 47 لعام 2005م بشأن الموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والمصادق عليها من قبل مجلس النواب في شهر يوليو من نفس العام ، هذا القانون أعدت له أكثر من 107 دولة في اجتماعات لها أقيمت في إحدى مدن المكسيك عام 2003م واعتبرت هذه الدول الفساد موازيا للإرهاب لما يلحقه من أضرار رهيبة على الإنسان والإنسانية بكافة دولها وشعوبها ومجتمعاتها .
لقد أذن هذا القانون الرئاسي بقبول مساعدة الأمم المتحدة الإلزامية الحاسمة قبل أن تغرق البلاد بالفساد والإفساد والمفسدين وفي هذا معنى واحدا وهو أن الفساد المتنوع في البناء السياسي والاجتماعي الفوقي والتحتي لم تعد مهمة اليمنيين وحدهم وإنما أصبحت مهمة مباشرة لأكبر منظمة دولية في الأرض .. وبهذا فإنها امتلكت الحق الدبلوماسي المباشر مع الدولة اليمنية وحكومتها في سن النظم الإدارية والمدنية والعقابية على المجتمع اليمني الاقتصادي والصناعي والتجاري والسياسي والأمني والعسكري .. وما قامت به الثورة السلمية ووضع المبادرة الخليجية وقراري مجلس الأمن الخاصين بحرب 1994م على الجنوب والقرار الأممي رقم 2014 قيد التنفيذ إلا شكلا من أشكال الإشراف الدولي على اليمن .
لقد تلا صدور هذا القانون الايجابي (نظريا) نشر العديد من التقارير الخطيرة وكان أهمها تقرير (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP) لخصته الصحافة ومنها صحيفة الأيام الغراء ، أما نحن فنختصر أهم ذلك بالتالي :
1. نوبة انحطاط إداري كبرى تعيشها البلاد الموبوءة بالفساد الذي ابتلع الوظائف البسيطة حتى الخدمات القضائية .
2. انحدار الثقة بين النظام القضائي انحدارا شديدا ووصف التقرير القضاء بعدم الكفاءة والهشاشة .
3. افتقار الحكومة إلى نظام فعال لكشف ومراقبة الفساد لتداخل الخاص بالعام .
ونشرت منظمات أمريكية تقارير كثيرة وأهمها تقرير المنظمة الأمريكية للمعلومات وأبحاث الشرق الأوسط عن رسالة الدكتوراه في العلوم السياسية للباحثة الاسترالية سارة فليبس ونشرته صحيفة الوسط الغراء في منتصف شهر أغسطس من العام 2005م أكدت فيه على عمق الأزمات السياسية والاقتصادية اليمنية والتي قادت إلى البؤس والأملاق المتزايد التي وصلت إليه البلاد جراء الفساد الشامل وأدى إلى أحداث العشرين والواحد والعشرين والثاني والعشرين من شهر يونيو من نفس العام 2005م وعمت البلاد وشهدتها كل من مناطق الجمهورية وخلال ما يزيد على خمسة أعوام ازداد الفساد عبثا في الدولة والمجتمع.. فقامت ثورة الحراك الجنوبي السلمي عام 2007م ثم تلا ذلك ثورة التعبير السلمية في عام 2011م – 2012م ثم تلا ذلك ثورة المؤسسات والتي اصطدمت بحكومة الوفاق وكذا الاحتجاجات الثورية للقضاة .
في عام 2005م كان اللافت للنظر بأن الرئيس علي عبدالله صالح شن هجوما شديدا لم يألفه اليمنيين من قبل على الفساد والفاسدين أمام مسئولي وزارة المالية والأجهزة الإيرادية ودعى الأجهزة الأمنية والرقابية بتحمل مسؤوليتها على أي فساد وإحالته مباشرة إلى نيابة الأموال العامة والمحاكم وعدم التهاون مع أي فاسد وكان ذلك ليس له معنى آخر سوى أن صالح يحضر نفسه للانتخابات الرئاسية التي تمت في أواخر 2006م وكانت تلك رسالة المجتمع الدولي مصحوبة بالقانون رقم 47 بشأن الموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الفساد كقضية دولية أصبحت من مهمات المجتمع الدولي ومنظماته الدولية والإقليمية ولأول مرة قرأنا عن شخصيات دينية قالت بأن السكوت على الفساد حرمه الله سبحانه وتعالى ونبيه محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم ونبذته كل الأديان .
والحقيقة المستوحاة من تصريحات الرئيس وبعض علماء الدين هو أن ذلك كان فقط للاستهلاك والدعاية للرئيس لأن الحقيقة تكمن في أن علي صالح قد أتى إلى حكم الرئاسة بعد مقتل إبراهيم الحمدي الذي استطاع الحد من سلطة جهابذة المشايخ الكبار من حاشد وبكيل .. الخ وحاول أن يؤسس لأنظمة وقوانين وتشريعات تدخل اليمن عهدا جديدا خال من الفساد الشامل وكان ثمن ذلك اغتياله الإجرامي الشهير ولهذا فإن علي عبدالله صالح أدرك العبرة من ذلك وأخذ في إعادة بناء اليمن الشمالي على أساس من الشراكة الوطيدة مع القبائل والفساد والقضاة وعلماء السلطة كسلطة دينية لا غنى عنها في تثبيت سلطته ونفوذه القوي الذي عززه بمؤسسة عسكرية ومؤسسة أمنية محاطة بقوة استخبارتية دمجت الأمن الوطني الشمالي بأمن الدولة الجنوبية الذي سرعان ما انقضّ عليه بعد حله بقرار وكان ذلك بعد الوحدة اليمنية الاسمية المباركة وبعد ذلك وبالذات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001م أضاف انجازا كبيرا لسلطته النافذة المطلقة بإعلان قيام مؤسسة أمنية فاسدة رئاسية هي الأمن القومي اليمني ودمج خزانة الدولة مع خزانة العائلة لتصبح خزانة واحدة يتحكم بها كيفما يشاء ويبدو لنا اليوم أن حزب الإصلاح يحضر نفسه بالتحالف مع أقوى القبائل الشمالية وفي مقدمتها حاشد وبكيل ليكونوا بديلا نافذا ومسيطرا على طريق خلق نظام استبدادي جمهوري بديلا عن نظام علي صالح الفردي العائلي الجمهوري .
3. عطبوش ورفاقه يقتحمون الخطوط الحمراء للقضاء !
فضيلة القاضي /علي عطبوش عوض ممثل النيابة العامة في البريقة تعرفت عليه خلال الأشهر الأخيرة من العام 2011م حيث انتقل للسكن بجوارنا ومنذ ذلك الوقت ارتبطت العلاقة به صداقة ومعرفة وود وذلك لما أبهرني من استقامة وأخلاق وورع وتقوى ومخافة من الله وحماس وغيرة وطنية قل ما شهدته من بعض القضاة وممثليهم للنيابة العامة على قلة عددهم ، وعطبوش حاصل على درجة البكلاريوس والماجستير بامتياز وحاصل على شهادة التفوق العلمي من جامعة عدن 2008-2009م ، وفي حياته العملية تبوأ العديد من الوظائف الحكومية بدءا من عضويته لنيابة شمال الحديدة ولحج عامي 1994م – 1995م ثم وكيلا لنيابة البحث في عدن 1999م ووكيل نيابة البريقة عدن 2010م ولأول مرة رأس المنتدى القضائي خلال فترة الاحتجاجات القضائية التي شهدتها الساحة القضائية في عدن وأبين وشبوة والضالع والتي امتدت بفضل من اله والمحتجين لتشمل كل مناطق البلاد وفي مقدمة ذلك قضاة العاصمة صنعاء و إب والحديدة وحضرموت وذمار وحجة !... الخ .
كان لحماس عطبوش ورفقته من القضاة بالقيام باحتجاجات ثورية قضائية مباركة إن شاء الله وقع في نفسي كون عدد كبير من القضاة يريدون إحداث ثورة قضائية ضد الفساد في جسم القضاء .. المحكم إغلاقه في وجه أية تغييرات أو تطورات نظرية أو علمية عملية تمسه من قريب أو بعيد سواء عبر إثارة القضايا الحقوقية للقضاة وأعضاء النيابات العامة وصغار ووسط الموظفين في القضاء و النيابات والمحاكم العامة في المحافظات والفروع وبدرجة رئيسية أولئك الجنوبيين الذين عانوا من التمييز والظلم الحقوقي والوظيفي منذ أيام الوحدة وبعد الحرب الظالمة في 1994م .. الخ . أو عبر أحداث تغييرات إيجابية في منظومة القوانين والقرارات التي تواكب تطورات الحياة وتضمن فصلا عمليا وعلميا بين القضاء والسلطة الرئاسية والتنفيذية والأجهزة الأمنية المشتركة بتسيير القضاء .
وخصوصا بأن القضاء والنيابة العامة في عهد النظام السابق ورئيس الدولة والحكومة كانا توأما ملازما لهما وكان رئيس الجمهورية هو رئيس مجلس القضاء الأعلى وحتى بعد تخلي الرئيس منذ آخر تعديلات رئاسية لدستور الوحدة في عام 2001م الدستور الذي تغير مرات كثيرة منذ الانقضاض على الوحدة والجنوب في حرب 1994م الملعونة الظالمة ومع ذلك ظل القضاء ظلا ظليلا للرئاسة والحكومة وما يتبع ذلك من فساد وسيظل القضاء اليمني أحد أهم أكبر المعوقات التي ستواجه أي نظام قادم كون من يقودونه ويستفردون بإدارته والمحيطين من حولهم من أساطنة الفساد والقضاء المحكوم بالتبعية المزمنة والذي ظل حتى قيام الحكومة الانتقالية والانتخابات الرئاسية التوافقية ومنذ العهد القديم الأمامي ولم تستطع أيادي الشرفاء من القضاة منذ ذلك الزمان أن تحدث تغييرا إيجابيا عادلا خال من الفساد ومتجدد .. وحتى قيام الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب وبعدها اليوم وهي ما تفرض مساواة الجنوبيين بالشماليين في الحقوق والواجبات والوظائف العامة بعيدا عن العنصرية المقيتة .. وتفرض العمل بالقوانين الإيجابية المعمول بها في الشمال والجنوب أو دمجها مع الأخذ بالإيجابي والجديد منها إلا إن القوانين التي قام عليها القضاء والمؤسسات الأخرى هي قوانين (الجمهورية العربية اليمنية) مثلما حصل ويحصل في جميع الوزارات والمؤسسات الأخرى .. وقد أفرد لنا فضيلة القاضي عطبوش في مقال له نشر في صحيفة الشارع بعنوان (ربيع القضاء اليمني) الأمثلة التالية :
(كما هو معلوم أن الجمهورية اليمنية هي نتاج اتحاد ما كان يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية ، حيث نشأ بموجب هذا الاتحاد شخصية اعتبارية جديدة تعرف بالجمهورية اليمنية 1990م وكان هناك قبل الوحدة في كلا الدولتين قوانين منظمة لمهنة وسلطة القضاء والنيابة العامة أو الإدعاء العام وكان القانون رقم 39/1977م بشأن النيابة العامة في صنعاء والقانون رقم 9/1984م بشأن الادعاء العام في عدن وظل كل قانون ساري في إطار كل الشطرين حتى عام 1994م وعقب تغلب شريك حكم على آخر تم العمل بالقانون رقم 39لعام 1977م في الإقليمين الشمالي والجنوبي ولم يصدر أي قانون أو مرسوم أو قرار جمهوري على ذلك حتى يومنا هذا .. ليصبح القانون لا سند له شرعي .. لكنهم يعملون به دون سند شرعي ولم يتم العمل بالقانون رقم (9) لعام 1984م بشأن الادعاء العام في عدن بالرغم من حداثة القانون مقارنة بالقانون رقم (39) لعام 1977م وهذا نموذج فقط من عدم شرعية العشرات من القوانين والقرارات الشطرية) .
وأشارت المقالة إلى العشوائية في تسيير عمل دور النيابات العامة على الرغم من أن القانون القضائي (الناقص) المنظم للسلطة القضائية رقم (1) لعام 1991م قد أورد في المادة (50) بأن النيابة العامة هيئة قضائية تمارس الاختصاصات المخول لها قانونا وبالرغم من أن القانون الذي صدر عام 1991م في مادته (44-48) تحدث عن إنشاء محاكم ابتدائية في كل مديرية ولكن البعض لم يشير إلى إنشاء نيابات ابتدائية في المديريات والضرورة حسب المقالة تستدعي إجراء تعديل ينص على إنشاء نيابات عامة نوعية استئنافية وابتدائية في عموم محافظات الجمهورية المنية هذا حتى لا يتم الطعن في شرعية النيابة العامة وقد أشارت المقالة إلى نواقص كبيرة جوهرية في نص قانون رقم (1) لعام 1991م المنظم لسلطة القضاء التي تجعل من التعديل الدستوري القائل بأن القضاء هيئة مستقلة على السلطة التنفيذية وبضرب أمثال عدة حول تحكم وزير العدل والسلطة الرئاسية والتنفيذية بإدارة القضاء المستقل شكليا حتى اليوم )).
لقد أقنعت الثورة السلمية للتغيير الكثير من القضاة وممثلي النيابة العامة والفئات الوسيطة و الكتاب والموثقين بأن الانجاز العظيم الذي حققته هذه الثورة العظمى بإسقاط رأس النظام لا يكفي وإنما يجب الاتجاه نحو تغييرات مباشرة من خلال المطالبة بالحقوق الضائعة والمهدورة منذ أكثر من عقدين وكانت نقطة البدء لهم في ذلك هو البدء بتفاصيل الاحتجاجات لتنفيذ الحكم الإداري الصادر من الدائرة الإدارية بالمحكمة العليا بشأن معايير احتساب الترقيات والصادر تحت رقم 15 لعام 1430هـ بتاريخ 31/5/2009م والمستند لأحكام القانون وكذا عدم الاستجابة للمطالب الحقوقية المشروعة لأعضاء السلطة القضائية وحددتها الحركة الاحتجاجية والاعتصامات منذ منتصف عام 2011م وحتى النصف الأول من عام 2012م بحدود عشرون مطلبا وهي ما أثبتت إلى جانب الحكم الإداري الصادر في مايو 2009م بأن ظلما مريعا وغير طبيعي وعنصرية لا مثيل لها ظلت تمارس حتى اليوم على الأغلبية الساحقة من القضاة وممثلي النيابة العامة والكتاب والموثقين والمحاكم .. الخ (في الجنوب بشكل أكبر) و في الشمال كذلك.. لقد تناولت طلبات الاحتجاجات القضائية وأظهرت معها تلك الكتابات التي نشرها أصحابها في عدد من الصحف الموقرة كصحيفة الطريق أو آخرها ما نشر في صحيفة الوسط الغراء وصحيفة الشارع وفي مقدمة الكتاب الأستاذ/ علي عطبوش والأستاذ/ عيسى قائد الثريب عضو نيابة الأمن في عدن وعضو الهيئة الإدارية للمنتدى القضائي م/عدن ومتخصصون كثيرون آخرون أيضا والأهم أنه إلى جانب تلك المتطلبات تحدثت عن مظالم وحقق يستحقها العاملون في سلك القضاء والنيابة العامة والمحاكم منذ عقدين تقريبا فإن عدد من المطالب مثلت خطوة جوهرية نحو تغييرات جوهرية في القضاء مثل :
1. إجراء تعديلات دستورية وقانونية لازمة تعزز من استقلال القضاء كسلطة مستقلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى وتعتبر تلك حجر الزاوية في البدء بعمل قضائي مستقل لا يخضع للسلطة الرئاسية أيا كانت ولا تخضع للسلطة التنفيذية ولا للواجهات القبلية والدينية والاجتماعية .. الخ .
2. يعتبر ما حصل عليه المحتجون القضاة الثوار من انجازات حتى الآن وبعد لقاء قيادات المنتديات القضائية مع فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي (وحتى مشروع التقييمات والدرجات والعلاوات السنوية من 2005م إلى 2010م) وفكرة إعادة صياغة فانون القضاء رقم 1 من عام 1991م وإعلان المقترحات لإعادة تشكيل مجلس القضاء وعدد من اللجان لمعالجة مشاكل وحقوق العاملين والتأهيل والتدريب .. الخ من المقترحات التي قدمها المحتجون الثوار انجازا يحسب لهم كونهم استطاعوا علنا ولأول مرة التعبير عن مظالمهم وحقوقهم المستباحة ولأول مرة تم رفع طلبات سياسية كتغيير قانون القضاء لعام 19991م وإعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى وتم لأول مرة تأسيس المنتديات القضائية بعد تلك التحركات الاحتجاجية والاعتصامات بعد أن كان ولازال القضاء وحتى يومنا هذا منطقة حمراء وخطوط حمراء تقاد من طغمة قضائية معتقة منذ زمن بعيد توقفت عن التفكير لخدمة وتطور القضاء وتحويله من قضاء أبوي فاسد ليصبح كما يراد له على النحو الآتي :
1. عادلا بين أعضائه وموظفيه حتى يتحرر من عدم المساواة والعنصرية الشطرية الضيقة الأفق من جانب والتخلص من عنصرية الترقي والارتقاء الوظيفي غير العادل وغير الإنساني ولا يمت للدين الإسلامي بصلة .
2. إيقاف الحدود الحمراء المعيقة لتطوير القضاء بالحفاظ على جوهره الديني العادل غير المنفصل عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلاقة القضاء اليمني بالقوانين الوضعية الجارية في البلدان العربية والإسلامية وحدود تلك العلاقة وتطوير القوانين المنظمة للقضاء و النيابات العامة في المركز والمحافظات والمعيقة للتجديد الشرعي والتشريعي لتلك المحاكم العليا و الاستئنافية والابتدائية في عموم المحافظات والمديريات .
واختم مقالي هذا بالاعتقاد القاطع بأن القضاء اليمني مشكلة كبيرة وهي لا تقل خطورة بل ربما أكثر من مشكلة إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وتحتاج إلى جهود ثورة عظيمة وجبارة على الرئيس عبدربه منصور والحكومة الانتقالية (حكومة الوفاق) التحرر من الخوف واقتحام القضاء اليمني الجامد وإصلاحه وقد تمتد جهودهم إلى جهود الرئيس المنتخب والحكومة الجديدة في عام 2014م والخوف اليوم هو أن الطموحات والانجازات المتواضعة التي حصل عليها المحتجون القضاة ولكنها مؤشر ايجابي ثمين لما قاموا به .. قد لا يرى النور خصوصا تلك الجوهرية والكبيرة منها .
ولو أن المحتجون والرئيس والحكومة اهتموا بوثيقة نشرتها صحيفة الوسط صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات والبحوث الخاصة لتنمية وتحسين أداء السلطات القضائية .. والدراسة توصي باستقلالية القضاء وتمكينه من بناء مؤسسة قضائية حديثة تواكب عهد التطور وتتجه بالقضاء في الاتجاهين التاليين :
1. تحقيق وتحسين مستوى حياة المشتغلين بالقضاء بدءا من أكبرهم وحتى أصغرهم وبناء وهيكلة القضاء على أسس إدارية ومالية شفافة ونظام التعامل مع الكادر بمختلف مستوياته .. الخ .
2. التجديد الوثائقي والإداري والمالي لكل هيئات القضاء أفرادا وجماعات بالاستفادة من التجربة العربية والإسلامية والإنسانية .. الخ
نرجو لمن يهتم بالأمر أن يطلع على مشروع الدراسة الصادرة في صحيفة الوسط الصادرة بتاريخ 15 فبراير من عامنا الحالي بعدد (37) وكل ما تضمنته الصحافة من آراء خلال الفترات السابقة للاحتجاجات القضائية من عام 2011م وحتى يومنا هذا وأي دراسات أو كتابات أخرى علمية لم تجد مجالها لنشر .
ويبقى سؤالنا بعنوان موضوعنا هذا قائما ؟
والإجابة تتطلب بأن القضاء والدولة والمجتمع اليمني بشماله وجنوبه يحتاج إلى ثورة عظمى عادلة أخلاقية ودينية وإدارية يعلم الله أي عظيم وأي عظماء سيكتب الله لهم هذا الدور وهذا المجد وهذا التاريخ والأهم بأن البداية قد سجلت بدماء وأرواح الأطهار في الجنوب والشمال والشرق والغرب .
التعليقات
1)
الأسم:
ابوذر الغفاري
التعليق:
نص+نص= وجدة ونص..حياك..وا دكتور
:
التاريخ: الخميس 14 يونيو 2012 الوقت: 1:37 صباحاًً
إضافة تعليق
ملاحظة:اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره.. نرجو ان تُعبر الردود عن الموضوعية.